: "لا اعرف من هو اكثر مهارة في إدارة الازمات الدبلوماسية من الأمير بندر بن سلطان، الذي استقال من منصبه كسفير للسعودية في واشنطن"، هذا ما كتبه الصحافي العربي السعودي عبد الرحمن الراشد مدير عام قناة "العربية" في صحيفة "الشرق الأوسط" التي كان يرأس تحريرها (23 ـ 7 ـ 2005 )، وما كتبه الراشد من رأي شاركه فيه عديدون من سياسيين ومراقبين وكتاب في تحليلهم على مدى سنوات لشخصية الأمير بندر ، والراشد أضاف "خلال 22 عاما صنع السفير لنفسه ثلاث دوائر أساس، واحدة في واشنطن مع السياسيين، بدءا من أعلى السلم في البيت الأبيض وحتى قادة الحزب المعارض، والثانية مع السياسيين على الساحة الدولية، والثالثة مع وسائل الإعلام التي اعتبرته مصدرا ثمينا ضمن اتفاقات تحفظ السر دائما".

وإن صحت المعلومات التي نشرتها صحيفة "صدى البلد" اللبنانية نقلا عن مصادر قالت أنها مطلعة في دمشق ، ومفادها أن الأمير بندر بن سلطان زار العاصمة السورية في مهمة خاصة أول من أمس حاملا مبادرة غلى القيادة السورية ساهمت في صياغتها القاهرة. فإن عرّاب كل المهمات الدبلوماسية الصعبة وعداء المسافات يتهيأ لواحدة من أقساها وهي ستفوق مهماته التي كان وجد لها دواءها الشافي ولعل آخرها "حلحلة" أزمة لوكربي التي كادت تعصف بحكم العقيد الليبي معمر القذافي في مواجهته مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة. حيث مارس السفير السعودي المخضرم مع رئيس جنوب إفريقيا السابق نلسون مانديلا دورا حسم الصفقة التي أنقذت رقبة نظام القذافي.

وهي في حينها كانت تقضي باستعداد الحكومة الليبية لتحمل مسؤولية تفجير طائرة "البان اميركان" الرحلة 103 فوق بلدة لوكربي الأسكوتلندية العام 1988، وان تدفع مبلغا قدره 2.7 مليار دولار كتعويض لعائلات ضحايا انفجار الطائرة.ويبدو أن نتائج مهمة بندر الناجحة هي التي فتحت الباب لاحقا أمام العقيد القذافي للتحاور مع الغرب الذي سامحه عن زلات كثيرة مقابل تنازلات أكبر من جانبه.

يذكر أن مسؤولين سوريين كبارا كانوا لمحوا في تصريحات لهم لحل الأزمة الناشبة بين دمشق وواشنطن على الطريقة حل أزمة لوكربي الليبية، وقال محللون: " يبدو أن السوريين حيث هم يعلنون تعاونهم مع لجنة ميليس راغبون بتفويت الفرصة على المحقق الدولي لحمله على عدم الضغط لمساءلة الرئيس بشار الأسد، أو تحميله المسؤولية، كما حدث مع القذافي بالضبط، وهم يمكن ـ أي السوريين ـ قد يضحون بأي مسؤول آخر ولو حتى من الدائرة الضيقة حول الرئيس إذا ثبت تورط أي منهم".

ويقول النبأ الذي نشرته الصحيفة اللبنانية، عن مهمة الأمير بندر، حيث لم تتأكد رسميا بعد إنه التقى "القيادة السورية" وبحث معها "آخر المستجدات في الملفات الساخنة وابرزها الوضع اللبناني وقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري والعلاقات السورية - الأميركية والوضع في العراق"."

دمشق والتحالف الدولي

وأضافت أن السفير السعودي السابق لدى واشنطن، الذي لعب دورا رئيسا في ضم سورية إلى التحالف الدولي لتحرير الكويت في العام 1991، خلص إلى "نتائج إيجابية في الكثير من القضايا العالقة التي تهم سورية بالدرجة الأولى والمنطقة عموما". وأشارت المصادر الى ان الأمير السعودي غادر دمشق بعد انتهاء محادثاته فورا ، ورفضت مصادر رسمية سورية تأكيد هذا الخبر او نفيه.

يشار هنا، إلى أن هذه المهمة هي الأولى التي ينخرط فيها السفير السابق منذ استقالته قبل أسابيع، حيث قالت معلومات أنه يتجهز لتولي مهمات ذات حساسية خاصة في بلاده، وهو للتذكير كان قاد في نهايات سبعينيات القرن الفائت مهمة لدى سورية خلال الأزمة اللبنانية، وذلك مباشرة من بعد ترك موقعه العسكري كعقيد طيار في سلاح الجو الملكي السعودي.

ويأتي الكلام، عن مهمة بندر بن سلطان بعد أربع وعشرين ساعة من معلومات نشرتها "إيلاف" من مراسلها في القاهرة نبيل شرف الدين تحدثت فيه عن وجود مبادرة مصرية - سعودية تواكب عمل لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري.

وأشار تقرير "إيلاف" إلى إن وزير الخارجية المصري أحمد ابو الغيط سيلتقي خلال زيارته الحالية للولايات المتحدة والتي حضر خلالها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عدداً من المسؤولين الأميركيين أبرزهم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ومستشار الأمن القومي ستيفين هادل لبحث المسألة، كما أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي بحث الأمر مع نظيرته الأميركية.

وخلص التقرير إلى القول "إن مصر والسعودية ستطرحان مبادرة مشتركة لاحتواء الضغوط على سورية التي تعهدت في المبادرة باجراء إصلاحات سياسية والتعاون في ضبط الحدود العراقية والضغط على "حزب الله" وحظر أنشطة الفصائل الفلسطينية في دمشق".

عاصفة سياسية

ويأتي الحديث عن مهمة الأمير بندر، متزامنا مع تقارير صحافية نشرت في العاصمة البريطانية، قالت إن اهتمام المحققين الدوليين في الدور السوري في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري سيحدث "عاصفة سياسية في الشرق الأوسط"، وحسب صحيفة "الغارديان" فان المؤشرات حول تورط دمشق في الجريمة ازدادت بعد اعترافات شخص سوري كان حاضرا في اجتماع نوقش خلاله اغتيال الحريري.

وتضيف الغارديان ان فريق الغطاسين البريطانيين الستة الذين عملوا في بيروت مع فريق لجنة التحقيق انتشلوا من قاع البحر، على مقربة من مسرح الجريمة، ادلة ساهمت في تقدم التحقيق، وتتوقع الصحيفة ان يواجه الرئيس السوري بشار الأسد، الذي يعاني عزلة دولية ، مرحلة بالغة الصعوبة في علاقاته مع مجلس الامن الدولي من جراء هذه القضية.

وقالت الغارديان كذلك ان المدعي العام الالماني السابق ميليس الذي يرأس التحقيق في اغتيال الحريري استجوب في دمشق رستم غزالة الذي تولى رئاسة جهاز الامن والاستطلاع في لبنان، ووليد المعلم نائب وزير الخارجية السورية، كما استجوب فريق التحقيق آصف شوكت، صهر بشار الاسد، رئيس استخبارات الجيش السوري، وتسعة مسؤولين سوريين آخرين، وأخيرا، تشير الصحيفة الى ما سبق وقاله ميليس حتى الآن بأن كل الذين يتم الاستماع إليهم في سورية تنطبق عليهم حتى الآن صفة الشهود وليس المتهمين او المشتبه فيهم.

مقال الراشد

يشار إلى أن مقال عبد الرحمن الراشد المذكور في "الشرق الأوسط" جاء فيه الآتي: "لا اعرف من هو اكثر مهارة في إدارة الازمات الدبلوماسية من الأمير بندر بن سلطان، الذي استقال من منصبه كسفير للسعودية في واشنطن. اتذكر جيدا اول مواجهة لي معه بعيد تقلده عمله. سألته عما كان يفعل السفير السوفييتي في السفارة السعودية، خاصة ان العلاقة بين البلدين مقطوعة. فورا كذَّب القصة، لكنني واجهته بدليل مادي هو مشاهدتي سيارة السفير اناتولي دبرونين المعروفة بلوحتها الدبلوماسية رقم واحد، في الموقف الداخلي للسفارة. عندها قال ربما ركن السفير سيارته في مواقفنا، ثم ذهب ماشيا لمسرح مركز كيندي المجاور. كان يقولها ضاحكا، لأن القصة غير قابلة للتصديق، وبات مؤكدا لي ان السفيرين التقيا خلسة. بعدها عرف بندر بأنه السفير رقم واحد في واشنطن، ولم يكن السبب مقامه كأمير، او بلده كدولة مهمة، بل يضاف الى ذلك انه رجل ماهر للغاية في حل القضايا، وصاحب افكار جديدة، ويملك شبكة واسعة من العلاقات. وبات وجها مألوفا تقرأ أخباره في صفحات الصحف الأولى، تتحدث عن نشاطاته القريبة دائما من الفرقاء الاساسيين في الساحة السياسية الاميركية. وقبل ان يصبح سفيرا، اثبت نفسه في واشنطن بشكل لا تخطئه العين، في نزاع صفقة طائرات الاواكس في مطلع الثمانينات، التي كانت ساحة حرب سياسية لم يتكرر نزاع مثله من بعد".

ويضيف الراشد "خلال 22 عاما صنع السفير لنفسه ثلاث دوائر اساسية، واحدة في واشنطن مع السياسيين، بدءا من أعلى السلم في البيت الأبيض وحتى قادة الحزب المعارض، والثانية مع السياسيين على الساحة الدولية، والثالثة مع وسائل الاعلام التي اعتبرته مصدرا ثمينا ضمن اتفاقات تحفظ السر دائما".

ويستطرد "وليس سهلا العمل كسفير لبلد كالسعودية في واشنطن. فهي في نظر بعض الاميركيين تجمع العداوات الثلاث، تمثل منتجي النفط الجشعين، وتمثل الاسلام الذي ارتكبت باسمه أكبر عملية قتل في تاريخ الولايات المتحدة من داخلها، وتمثل العالم العربي المضطرب. ومن الطبيعي ان يصبح أي سفير في حالة دفاع صعبة، الا ان العارف لشخصية الامير بندر يدرك انه يعتمد اسلوبا هجوميا، حتى في اوقات الضعف السياسية. ففي اعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سربت معلومات الى كبريات الصحف الاميركية، تقول ان السعودية سارعت بتمويل الولايات المتحدة بالوقود، تطويقا للأزمة المحتملة في امدادات البترول، وقوبلت الخطوة بالتقدير في تلك اللحظات الحاسمة، وذللت صعابا كثيرة لاحقا."

ويختم الراشد قائلا "في سياسته الهجومية، وبعد حرب تحرير الكويت، اقترح عقد مؤتمر دولي يضم كل العرب، فكان مؤتمر مدريد للسلام الذي اعترف فيه لأول مرة بالفلسطينيين سياسيا. وكذلك كان له دور اساسي في تفاصيل صفقة انهاء العقوبات على ليبيا، التي طرقت كل باب ودفعت لكل وسيط لعشر سنوات، فبددت اموالها وتبددت آمالها الى ان طلبت ليبيا وساطة الرياض، التي كلفت سفيرها بندر تفكيك عقد القضية ، حتى انتهت بحل تجاوز تمنيات طرابلس. وبكل أسف كانت الصدمة لاحقا كبيرة حيث ان اول دولة عضتها ليبيا، بعد إخراجها من القفص ، كانت هي الوسيط السعودي".

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)