"هذا المقال مقتطف من كتاب " أمام أعيننا
انظر جدول المحتويات.

على الرغم من انخراط أربعين ألف رجل، لم تتمكن جماعة الإخوان المسلمين من أن تأخذ العاصمة السورية. وبعيداً عن الترحيب بـهم بوصفهم "محررين"، فقد واجهوا مقاومة السكان لهم، وفشلت العملية.

"الربيع العربي" في سورية

بدأ فعلياً تنسيق الربيع العربي في سورية اعتباراً من اجتماع القاهرة في 4 شباط-فبراير 2011، من خلال صفحة على الفيسبوك باسم الثورة السورية Syrian Revolution 2011.

ماهو معلن يكفي لفهم أن العملية يجب أن تقود إلى الإطاحة بسرعة بالجمهورية العربية السورية، كما كان الحال مع غيرها من "الثورات الملونة" لان الهدف ليس تغيير العقليات، بل القيادات فقط، وبعض القوانين.

نشرت صفحة "الثورة السورية 2011 " منذ اليوم الأول لظهورها على الفيسبوك دعوة للتظاهر في دمشق، نقلتها قناة الجزيرة، بينما ذكرت الصفحة أن عشرات الآلاف من "المناصرين" استجابوا للنداء.

إنه سحر المعلوماتية.

سوف تلعب هذه الصفحة دوراً رئيسياً في السنوات المقبلة. وسوف تطلق اسماً على كل يوم جمعة، وهو يوم صلاة جامعة للمسلمين، هدفاً أخوانياً.

النائب في كتلة الحريري، عقاب صقر

جاء السناتور جون ماكين في 22 شباط-فبراير إلى لبنان، والتقى مع مختلف قادة تكتل 14 آذار الموالي للسعودية، من بينهم النائب عقاب صقر، [1] الذي أوكلت إليه مهمة نقل الأسلحة إلى الإسلاميين الذين ينتظرونها بفارغ الصبر في سورية. ثم غادر بيروت وذهب يستكشف الحدود السورية. فوقع اختياره على قرية عرسال، كقاعدة مستقبلية للعمليات ضد سورية.

على الرغم من دعوات صفحة " الثورة السورية 2011" الغامضة، كان لابد من الانتظار حتى منتصف آذار-مارس لبدء الأحداث في سورية.

جمع الإخوان المسلمون في درعا، مدينة في جنوب البلاد، مشهورة بأنها بعثية بامتياز، جهاديين سابقين من أفغانستان والعراق. واختطفوا أول مظاهرة قام بها موظفون حكوميون يطالبون بتحسين ظروف معيشتهم، وبدؤوا بنهب وتخريب مبنى قصر العدل.

ثم قاموا في اليوم نفسه، وتحت إشراف ضباط من الموساد، بمهاجمة أحد أفرع المخابرات الواقع خارج المدينة، والذي يقتصر عمله على مراقبة الأنشطة الإسرائيلية في الجولان المحتل.

قالت قناة الجزيرة، بعد أن أحيطت علماً بما حدث، أن الأهالي في درعا انتفضوا احتجاجاً على قيام أجهزة الأمن بتعذيب أطفال كتبوا شعارات على الجدار ضد الرئيس الأسد. ساد ارتباك شديد، بينما كان فريق من "البلطجية" يعيثون فساداً وتحطيماً في مركز المدينة.

تحركت خلال الأسابيع التالية، ثلاث جماعات إسلامية في البلاد، وهاجمت أهدافاً ثانوية غير محمية جيداً.

بدأ الانطباع بالاضطراب ينتشر في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من أنه لم يصب إلا ثلاثة أماكن مميزة معاً. وفي غضون أسابيع، كان هناك أكثر من 100 قتيل، معظمهم من الشرطة والجنود.

جاء رد فعل الرئيس الأسد على عكس ما هو متوقع منه : بعيداً عن فرض قانون باتريوت سوري Patriot Act، ألغى حالة الطوارئ التي كانت سارية منذ الحرب مع إسرائيل، وحلً محكمة أمن الدولة.

كما أصدر قانوناً يضمن الحق في التظاهر، وشجب عملية تُقاد من الخارج، ودعا الشعب لدعم المؤسسات. جمع قادة أركان الجيش، وأبلغهم أن يمنعوا جنودهم من استخدام أسلحتهم، إذا كان هناك خطر قد يؤدي إلى قتل المدنيين بشكل جانبي.

يجري مرشد الإخوان المسلمين السوري، علي صدري الدين البيانوني (لاجئ في لندن) تحالفاً مع نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام (لاجئ في باريس). وكان الأخير قد فر من بلاده عندما تم اكتشاف الطريقة التي كان يغطي من خلالها، مع رئيس المخابرات غازي كنعان، عملية نهب لبنان على يد السعودي رفيق الحريري.

ضرب الأخوان المسلمون بكلام الرئيس عرض الحائط، وهاجموا قافلة عسكرية في بانياس (مدينة نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام) لعدة ساعات، تحت أعين السكان. ولخشيتهم من وقوع إصابات بين المدنيين، التزم الجنود بتعليمات الرئيس، فلم يستخدموا أسلحتهم، مما أسفر عن مصرع نحو عشرة منهم، وفقدان قائد المفرزة ساقيه لدى محاولته خنق قنبلة يدوية بجسده، كي لا تقتل جنوده.

تم تنظيم العملية من باريس، من قبل جبهة الخلاص التابعة لعبد الحليم خدام، بالتعاون مع الإخوان المسلمين. وفي السادس من حزيران جرى قتل 120 عنصر أمن في وضع وحشي مماثل، في جسر الشغور.

نظمت مظاهرات معادية للجمهورية العربية السورية في عدة مدن. وخلافاً للصورة التي كانت تعكسها وسائل الإعلام الغربية، لم يطالب المتظاهرون بالديمقراطية أبداً. الشعارات الأكثر هتفاً كانت: "الشعب يريد إسقاط النظام"، "المسيحيون إلى بيروت والعلويون إلى التابوت"، "نريد رئيسا يخاف الله" و "تسقط إيران وحزب الله". عدة شعارات أخرى أتت على ذكر "الحرية"، ولكن ليس بالمعنى الغربي. كان المحتجون يطالبون بحرية ممارسة الشريعة.

كان الناس يشاهدون حتى ذلك الوقت قناة الجزيرة، وقناة العربية، اللتين دعمتا تغيير النظام في تونس ومصر، كمصدر موثوق للأخبار. كانوا على يقين أيضاً من أن سورية ستسقط، والرئيس سيتنحى عن منصبه، ويستلم الإخوان المسلمون السلطة. فيما كانت نسبة ضئيلة من السوريين تؤازر ما تعتقد أنها "ثورة"، وتستعد لانعطافة إسلامية.

من الصعب جدا تحديد عدد السوريين الذين كانوا يتظاهرون ضد الجمهورية، أو كانوا يدعمون جماعة الإخوان المسلمين. لكن، يمكننا أن نخلص في أحسن الأحوال، إلى أن مئات من المظاهرات الصغيرة قد خرجت في البلاد، وأن أضخم تلك المظاهرات تمكنت من جمع بضعة آلاف من الأشخاص، كانت في حماه عام 2011.

لدى استقبال الرئيس الأسد لمنظمي المظاهرات، سألهم عن مطالبهم، فأجابوه "منع دخول العلويين إلى حماه". فذٌهل الرئيس من الجواب، وأنهى المقابلة.

نظم الأخوان المسلمون والحكومة الإسرائيلية في 4 تموز-يوليو في باريس، من وراء الكواليس جلسة عامة لحشد الطبقة الحاكمة الفرنسية. واستجابة لدعوة من "الفيلسوف" برنار هنري ليفي، ووزراء خارجية سابقين ولاحقين، برنار كوشنر، ولوران فابيوس، ومنتخبين من اليمين، والوسط، واليسار وأنصار حماية البيئة، أعربوا عن تأييدهم لما قُدمَ لهم على أنها معركة من أجل الديمقراطية.

لم يلاحظ أحد وجود المنظمين في القاعة: أليكس غولدفارب (مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي) وملهم الدروبي (مسؤول العلاقات الخارجية الدولية في جماعة الإخوان المسلمين، الذي جاء خصيصاً من المملكة العربية السعودية).

غادر برهان غليون سوريا وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ولا يزال يواصل مسيرته الأكاديمية في باريس. وبالتزامن مع عمله، أنشأ بمساعدة من NED المنظمة العربية لحقوق الإنسان في عام 1983 في تونس. وعندما ذهب الجزائري عباسي مدني (جبهة الخلاص الإسلامي) إلى المنفى في قطر، كان هذا العلماني يساعده على كتابة خطبه. شارك في حزيران-يونيو 2011، في مؤتمر الإنقاذ الوطني للإخوان المسلمين، وبناءً على اقتراح من الولايات المتحدة، تم انتخابه في الشهر التالي رئيساً للمجلس الوطني السوري (CNS). وصار منذ ذلك الحين، يتقاضى مرتباً شهرياً من وزارة الخارجية "لتمثيل الشعب السوري".

تم تكوين مجلس وطني سوري في اسطنبول، في آب-أغسطس على غرار المجلس الوطني الانتقالي الليبي. وقد جمع بين شخصياًت تعيش منذ سنوات خارج سورية، وآخرين غادروا البلاد للتو، إضافة إلى أعضاء من الأخوان المسلمين.

كانت تتلخص فكرة الغرب في أن هذه المجموعة التي تسعى إلى إقامة "الديمقراطية" وأنها قد تحتاج، لإضفاء المصداقية عليها، إلى حضور شخصيات يسارية مثل البروفيسور برهان غليون، الذي تم الدفع به إلى رئاسة المجلس.

هاهو الآن رئيساً للمجلس بعد أن عمل لسنوات طويلة مع منظمة NED والإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أنه علماني، إلا أنه كان يكتب خطابات عباسي مدني (رئيس الجبهة الإسلامية الجزائرية للإنقاذ) منذ نفي الأخير إلى قطر.

نفس الحال أيضاً بالنسبة لجورج صبرا، وميشيل كيلو، اللذين كانا يعملان مع الإخوان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، واللذان التحقا بتروتسكيي الولايات المتحدة في منظمة NED عام 1982.

عمل جورج صبرا تحت قيادة الليبي محمود جبريل، كما عمل أيضاً في الإصدارات الأجنبية من برنامج شارع سمسم للأطفال، التي أنتجها الفرنسي "لاغاردير ميديا Lagardère Média " والجزيرة القطرية بالتعاون مع شيريل بينارد، زوجة السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، ومن ثم في العراق، زلماي خليل زاد. أو أيضاً هيثم مناع، مدير استثمارات الإخوان السودانيين في فرنسا.

وفي انتهاك فاضح للقوانين، اشترت قطر من منظمة التحرير الفلسطينية الرئاسة الدورية للجامعة العربية مقابل 400 مليون دولار، ما مكنها من تعليق عضوية الجمهورية العربية السورية، على الرغم من كون سورية أحد الأعضاء المؤسسين للمنظمة. ثم تقدمت باقتراح إيفاد بعثة مراقبة إلى سورية بقيادة السودان (التي لا يزال يحكمها الإخوان).

عيًن السودان رئيس المخابرات والسفير السابق لدى قطر، الفريق محمد أحمد مصطفى الدابي، لقيادة البعثة، المؤلفة من أعضاء يمثلون كل الدول العربية ومن جميع الاتجاهات.

وافقت الجمهورية العربية السورية على استقبال وفد الجامعة العربية، والسماح لأعضاء بعثتها بالتجوال في جميع أنحاء البلاد.

تلك كانت المرة الأولى والوحيدة التي تتجول فيها هيئة تعددية على الأرض، تلتقي مع جميع اللاعبين، وتجوب البلد بأكمله. كانت هذه البعثة في الواقع المصدر الخارجي الوحيد الجدير بالثقة خلال كل سني الصراع.

قوبل تعيين الفريق الدابي بالترحيب بالإجماع من قبل جميع الأطراف. قاد الرجل مفاوضات الفصل بين السودان وجنوب السودان، فتم ترشيحه من قبل العديد من الدول العربية لجائزة نوبل للسلام.

مع ذلك، بدا من قراءة التقارير الأولية أن هذا السوداني لم يكن ينوي إرسال تقارير مفصلة حسب الطلب، بل قيادة بعثة مراقبة تعددية فعلية. ما جعل وسائل الإعلام الدولية تغير فجأة لهجتها، وتتهمه بارتكاب إبادة جماعية في دارفور. وراح كل أولئك الذين وافقوا على تعيينه، يطالبون باستقالته.

لكن الفريق الدابي صمد.ونشر تقريره المرحلي الذي يشهد أنه لا توجد ثورة في سورية. كما أكدت البعثة التي يقودها أن أعمال العنف قد جرى المبالغة في وصفها إلى حد كبير، وأن الجيش انسحب فعلا من المدن، وأنه لا توجد عمليات قمع، وأن الضحايا هم في الغالب جنود من الجيش والشرطة، وأكثر من 5000 سجين ممن أعطيت أسماءهم للسلطات، قد تم الإفراج عنهم، وأن وسائل الإعلام الأجنبية التي تقدمت بطلبات لمرافقة اللجنة، تمكنت من تغطية الأحداث.

قطر، التي استشعرت الخطر من جراء هذا التقرير، دفعت 2 مليار دولار للسودان كي تستدعي الجنرال الدابي. فقبل، لكنه اشترط عدم تعيين الجامعة خلفاً له. فظلت البعثة بلا رئيس، إلى أن تم حلها أوائل عام 2012.

الشاب أبو صلاح يصبح مراسلاً دائمًا لقناتي فرنسا 24 والجزيرة في إمارة بابا عمرو الإسلامية في حمص. قام لمدة شهرين بتقديم تمثيليات لقصف وهمي للحي منسوبة ل "قوات النظام"، وشارك في عقوبة الإعدام ل 150 فرداً من سكان الحي. كان يخاطب جمهوره محتضراً (الصورة)، ويضرم النار فجأة في خط أنابيب البترول، الخ.. هرب إلى باريس عندما سقطت الإمارة، لكنه عاد إلى الظهور لاحقاً في إدلب.

استشاط الأخوان المسلمون غضبا لرؤية الجمهورية العربية السورية تخرج معافاة، فقرروا على الفور إنشاء إمارة إسلامية.

قاموا بعدة محاولات، ثم قرروا أن يكون مقرها في منطقة جديدة من حمص، باب عمرو، حيث تم حفر أنفاق وتجهيزها مسبقاً، لضمان وصول الإمدادات في حالة فرض حصار على المنطقة.

تم زج ثلاثة آلاف مقاتل هناك، بما في ذلك ألفا تكفيري من السوريين، وهم أعضاء في مجموعة فرعية من جماعة الإخوان المسلمين، "التكفير والهجرة"، التي أنشئت في عهد السادات.

أسسوا على الفور"محكمة الثورة" التي حاكمت وأصدرت حكماً بالإعدام بحق أكثر من 150 مواطناً، تم ذبحهم أمام الناس. ذُعر السكان، فولوا هاربين باستثناء أربعين أسرة.

أقام التكفيريون حواجز جهزتها القوات الفرنسية الخاصة بأسلحة ثقيلة، في كل الطرق المؤدية إلى الحي.

مهدت الحملة الإرهابية في السنة الأولى الطريق إلى حرب المواقع، وفقاً للخطة المقدمة في عام 2004 حول "إدارة الهمجية".

صار حلف شمال الأطلسي يزود الإسلاميين بأسلحة أكثر تطوراً من أسلحة الجيش السوري الذي يخضع للحصار منذ عام 2005.

وفي صباح أحد الأيام، دخل الجيش العربي السوري حي باب عمرو، بعد تعطيل دفاعاته. ففرً الصحفيون الفرنسيون وعدد من القادة بعيداً، وظهروا بعد بضعة أيام في لبنان. في حين سلًم التكفيريون أنفسهم للجيش. وبدا أن الحرب التي بدأت، كانت توشك على الانتهاء، كما كان عليه الحال في لبنان عام 2007، عندما انتصر الجيش اللبناني على فتح الإسلام. لكن الإسلاميين لم ينهوها.

كان هناك ثمة عملية جديدة يجري التحضير لها في الأردن، تحت قيادة حلف شمال الأطلسي، مقدر لها شن هجوم على دمشق في سياق عملية نفسية هائلة. لكنه تم إلغاؤها في اللحظة الأخيرة.

الإسلاميون الذين تخلت عنهم فرنسا في باب عمرو، تم شطبهم أيضاً من قبل الولايات المتحدة، التي كانت تناقش إمكانية اقتسام الشرق الأوسط مع روسيا. لذلك تم التوقيع على وعد بالسلام في جنيف، في 30 يونيو 2012.

نهاية "الربيع العربي" في مصر

أصبح مجلس الشعب الجديد في مصر بأيدي الإخوان. اعتقد مجلس الأخوان أن الدستور الجديد -الذي كُتب للسماح لهم بالفوز- ليس سوى تكرار لنص قديم جرى تعديله بشكل طفيف، على الرغم من حصولهم على نسبة 77% من أصوات الناخبين بالاقتراع. فقاموا بتعيين جمعية تأسيسية من 100 عضو، 60 منهم هذه المرة، من الأخوان المسلمين.

بمجرد إجبار واشنطن الرئيس مبارك على الاستقالة، عاد الشيخ يوسف القرضاوي من قطر إلى بلده على متن طائرة خاصة. وبصفته مديراً لمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، الذي يرأسه الأمير تشارلز، ومستشاراً روحياً لقناة لجزيرة ، كان ضيفاً دائماً على برنامج "الشريعة والحياة" الأسبوعي. أعلن في ميدان التحرير رفضه للديمقراطية وطالب بإعدام المثليين.

أكد الأخوان أنه بإمكان الشباب الديمقراطيين التشكيك بسلطة الجيش. كانت حملتهم للانتخابات الرئاسية فرصة للدعوة إلى إعادة إحياء البلد من خلال القرآن الكريم.

كان يوسف القرضاوي يعتبر أن قتال المثليين واستعادة الإيمان، أكثر أهمية من القتال ضد إسرائيل وحملها على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. [2] وبينما كان الامتناع عن التصويت هائلاً في الشارع السني، منع الأخوان إجراء الانتخابات في البلدات والقرى المسيحية، مما حرم 600 ألف ناخب من التصويت.

"تصادق اللجنة الانتخابية الرئاسية على محمد مرسي كرئيس لمصر، تفادياً لمصير دموي في البلاد فيما لو [أعلنت] عن انتخاب الجنرال أحمد شفيق".

مع ذلك، فإن نتائج استطلاعات الرأي أعطت اللواء أحمد شفيق، رئيس الوزراء السابق في عهد مبارك، فوزاً بفارق طفيف من 30 ألف صوت. حينذاك قامت جماعة الأخوان بتهديد أعضاء لجنة الانتخابات وعائلاتهم، إلى أن انصاعت بعد 13 يوماً، وأعلنت عن فوز الأخواني محمد مرسي. [3]

غض "المجتمع الدولي" الطرف عما حصل، وأشاد بالطابع الديمقراطي للانتخابات.

مؤتمر صحفي في مقر جماعة الإخوان المسلمين مع مرشد الإخوان العالمي والرئيس محمد مرسي.

محمد مرسي هو مهندس في وكالة ناسا. يتمتع بالجنسية الأمريكية، وبأهلية سرية الدفاع في البنتاغون.

شرع منذ وصوله إلى السلطة في إعادة تأهيل وتفضيل عشيرته، وتمتين العلاقات مع إسرائيل. فاستقبل في القصر الرئاسي قتلة الرئيس السادات في ذكرى إعدامه. وعين مسؤول مذبحة الأقصر عام 1997 محافظاً لتلك المنطقة. ثم بدأ باضطهاد الديمقراطيين الذين تظاهروا ضد بعض جوانب سياسة حسني مبارك (ولكن ليس لعدم استقالته).

دعم حملة واسعة من مذابح الأخوان المسلمين ضد المسيحيين، وغطى تلك الانتهاكات: جرائم قتل، نهب المطرانيات، وحرق الكنائس. كما قام في الوقت نفسه بخصخصة الشركات العامة الكبرى، وأعلن عن احتمال بيع قناة السويس لقطر، التي ترعى جماعة الإخوان المسلمين.

ومن مكتبه في القصر الرئاسي، كان يتصل يومياً أربع مرات على الأقل بالهاتف مع أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة العالمي.

تمكن في نهاية المطاف، من خلق إجماع عام ضده، دفع جميع الأحزاب السياسية، بما في ذلك السلفيين (باستثناء الإخوان طبعاً) إلى التظاهر ضده. فنزل 33 مليون مصري إلى الشارع، وطالبوا الجيش بإعادة البلاد إلى الشعب.

لم يعبأ مرسي بنبض الشارع، فأمر الجيش بالاستعداد لمهاجمة الجمهورية العربية السورية، ومساعدة الإخوان المسلمين السوريين.

كان ذلك القرار "الشعرة التي قصمت ظهر البعير"..

في 3 تموز-يوليو 2013، وفي ساعة إغلاق المكاتب في واشنطن إيذاناً ببدء عطلة أسبوع طويلة، بمناسبة العيد الوطني، قام الجيش بانقلاب، وأُودع محمد مرسي السجن، فيما تحولت الشوارع إلى ساحة معركة بين الإخوان وعائلاتهم من جهة، وقوات حفظ النظام، من جهة أخرى.

الحرب على سورية

"في السياسة، الوعود لاتُلزم إلا من يصدقها" كما يقال.

بعد شهر من مؤتمر جنيف1 والتوقيع على السلام، وبعد أيام قليلة من مؤتمر "أصدقاء سورية" في باريس، تم السماح مرة ثانية بالحرب.

لن تكون هذه المرة مجرد عملية يقودها حلف شمال الأطلسي بمساعدة الجهاديين، بل فقط هجوم جهادي، بمساعدة حلف شمال الأطلسي. وكان الاسم الحركي لتلك الحرب : "بركان دمشق، وزلزال سورية".

عبر الحدود 40 ألف رجل تلقوا تدريباً مكثفاً في الأردن، وتدفقوا دفعة واحدة على العاصمة السورية، بالتزامن مع وقوع تفجير أسفر عن قتل المشاركين في اجتماع لمجلس الأمن القومي السوري.

الجهاديون هم مرتزقة، تم تجنيدهم من أوساط الفقراء في العالم الإسلامي. الكثير منهم لا يتكلمون العربية، وليس في رصيدهم سوى أسبوع من التدريب العسكري. اعتقد البعض منهم أنهم ذاهبون للقتال ضد الإسرائيليين. لكن الخسائر الفادحة التي حلت بهم، جعلت الكثير منهم يتراجعون.

الحرب الطويلة التي أتت فيما بعد، جعلت الجيش العربي السوري في وضعية الدفاع عن السكان المدنيين، ولتحقيق ذلك، كان لزاماً عليه الانتشار في المدن الكبرى، لدحر جهاديين يسعون إلى جعل الحياة مستحيلة في مساحات شاسعة من البلاد.

هؤلاء المحاربون يتجددون بلا حدود. تصل كل شهر، أفواج جديدة منهم، لتحل مكان الذين قتلوا، أو فرًوا من المعركة. جميع "بلطجية" العالم الإسلامي أتوا إلى سورية يجربون حظوظهم بالحصول على بضع مئات من الدولارات شهرياً، بعد أن تم فتح مكاتب الاستقدام علناً في بلدان مثل تونس وأفغانستان. في حين أنها كانت أكثر تكتماً في دول أخرى مثل المغرب أو باكستان، على الرغم من ارتفاع عدد القتلى في صفوف هؤلاء المقاتلين.

حصلت في شهر تموز-يوليو 2013، وفقاً للبوليس الدولي (الأنتربول )، عمليات فرار من السجون معقدة للغاية في تسع دول، نتج عنها فرار قادة إسلاميين، ونقلهم إلى سورية. مثلاً :

  بتاريخ 23 تموز-يوليو، هرب بين 500 إلى 1000 معتقل من سجني تاج، وأبو غريب (العراق).
  بتاريخ 27 تموز-يوليو، فرً 1117 معتقلاً من سجن كوافيا (محافظة بنغازي، ليبيا) بعد أعمال شغب داخلي مترافقة مع هجوم خارجي.
  في ليلة 29 إلى 30 تموز-يوليو، فرً 243، من عناصر حركة طالبان، من سجن في ديرا إسماعيل خان (المناطق القبلية في باكستان).

يحرق الجيش العربي السوري معظم جثث الإرهابيين ويحتفظ بالجثث التي يمكن التعرف عليها، ويعيدها إلى أسرها.

وضعت عدة دول بتكتم، العديد من قنوات إعادة الترحيل إلى الوطن، مثل الجزائر، من خلال مؤسسة الأمير عبد القادر.

مع ذلك، يحتفظ الجيش العربي السوري حتى الآن بأكثر من ثلاثين ألف جثة، تم التعرف عليها، لكن لم يطالب بها أحد.

نظمت الدول الغربية التي أرسلت في البداية قوات خاصة إلى سورية من خلال تجنيدهم في صفوف مقاتليها بجنسيات مزدوجة، ومسلمين بشكل عام من المغرب العربي، قنوات تجنيد للجهاديين خاصة بهم.

وبناءً على ذلك، تم في فرنسا تأسيس قناة اتصال في السجون مع المساجد السلفية، مثل المسجد الكائن في شارع جان بيير تمبو في باريس.

يضاف إلى هؤلاء الآلاف من الأفراد، عشرات الآلاف من الوافدين من "الشرق الأوسط الموسع".

على الرغم من أننا لا نعرف عدد الأشخاص الذين شاركوا في هذه الحرب، إلا أن التقديرات تشير إلى أن إجمالي عدد الجهاديين، المحليين والأجانب، الذين يقاتلون في كل من سورية والعراق منذ عام 2011، يتجاوز 350 ألف جهادي. وهذا رقم يتجاوز عدد أفراد أي جيش نظامي، في أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي، وضعف عدد أفراد الجيش العربي السوري.

الشيخ عدنان العرعور يدعو على موجات التلفزيون السعودي "الصفا"، إلى ذبح العلويين، ويصبح المرجع الديني للجيش السوري الحر.

يقدم الشيخ عدنان العرعور الزعيم الروحي " للجيش السوري الحر" الوحدة العقائدية للجهاديين. هذا الشخص الحربائي المتلون، يلامس من خلال برنامجه التلفزيوني الأسبوعي جمهوراً من الشعب، الذي يلهب مشاعره من خلال الدعوة لإسقاط "الطاغية"، والتشديد على رؤية ذكورية متسلطة في المجتمع. كما راح ينزلق تدريجياً نحو دعوات طائفية لذبح المسيحيين والعلويين.

ألقي عليه القبض حين كان ضابط صف في الجيش العربي السوري، بتهمة اغتصاب مجندين أغراراً. هرب على إثرها إلى المملكة العربية السعودية، حيث أصبح شيخاً، وداعية إلى الله.

اجتماع في مجلس الأمن القومي الأمريكي، 13 حزيران-يونيو 2013 في البيت الأبيض. نتعرف على غايل سميث (الثانية من اليمين) والأخونج رشاد حسين (الرابع من اليسار). وكان مستشار الأمن القومي توم دونيلون حاضرا في الاجتماع، لكنه لايظهر في الصورة. ونتعرف على نحو خاص على ممثل الإخوان المسلمين نائب يوسف القرضاوي، الشيخ عبد الله بن بية (بالعمامة، الثاني على اليسار).

يتلقى الجهاديون بشكل عام تسليحاً أساسياً، وكمية غير محدودة من الذخيرة. ويتم تنظيمهم ضمن كتائب قتالية صغيرة مؤلفة من بضع مئات من الرجال. أما قادتهم فيتم تزويدهم بأسلحة متطورة جداً، لاسيما حقائب اتصالات تمكنهم من الحصول على صور بث مباشر من الأقمار الصناعية لتحركات الجيش العربي السوري.

إنها معركة غير متكافئة مع الجيش العربي السوري، المُدرًب بشكل أفضل بكل تأكيد، لكن جميع أسلحته تعود لما قبل عام 2005، ويفتقر للمعلومات الواردة من الأقمار الصناعية.

خلافاً للجيش العربي السوري، الذي تم تنسيق جميع وحداته، ووضعها تحت سلطة الرئيس بشار الأسد، فإن كتائب الجهاديين لم تتوقف يوماً عن الاقتتال فيما بينها، كما في كل ساحات القتال حيث يتنافس "أمراء الحرب"، مع أنهم يتلقون جميعاً تعزيزات، وأسلحة، وذخائر ومعلومات، من قيادة أركان واحدة "لاندكوم LandCom"، التابعة لمنظمة حلف شمال الأطلسي، الكائنة في مدينة أزمير (تركيا)، المجبرين جميعاً على طاعتها.

مع ذلك، واجهت الولايات المتحدة صعوبات جمًة في تشغيل هذا النظام، لأن العديد من اللاعبين كانوا يعتزمون تنفيذ عمليات في الخفاء، بعيداً عن أعين حلفاء آخرين، كما فعل الفرنسيون مثلا من دون علم البريطانيين، أو القطريين، على حساب السعوديين .

في كل مرة كان يحرر فيها الجيش العربي السوري قطعة أرض، كان يدفن "الجهاديين" الذين كانوا يحتلونها. حفروا فيها أنفاقا وبنوا مخابئ تحت الأرض.

أوفد السعوديون الملياردير أسامة بن لادن إلى أفغانستان، لأنه كان متخصصاً في الأشغال العامة. أشرف على شق الأنفاق في الجبال –أو بشكل أدق، توسيع سرائر الأنهار الباطنية-. كما جاء هذه المرة، عدد من المهندسين المدنيين من حلف شمال الأطلسي للإشراف على بناء خطوط دفاع عملاقة، مماثلة لتلك التي كانت لدى القوى العظمى في الحرب العالمية الثانية.

(يتبع…)

ترجمة
سعيد هلال الشريفي

هذا الكتاب متوفر بست لغات

[1« Un député libanais dirige le trafic d’armes vers la Syrie », Réseau Voltaire, 5 décembre 2012.

[2Global Mufti: The Phenomenon of Yusuf Al-Qaradawi, Bettina Graf & Jakob Skovgaard-Petersen, Hurst (1999); Hamas and Ideology. Sheikh Yūsuf al-Qaraḍāwī on the Jews, Zionism and Israel, Shaul Bartal and Nesya Rubinstein-Shemer, Routledge (2018).